الصفحة الرئيسية  خدمات الموقع  خريطة الموقع 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الكرب النفسية في عمل رجل المرور

محمد علي الزراعي

 الحلقة الأولى

 

إذا كنت مستعداً لتعرف ما لم تعرفه عن رجل المرور واستعنت بما حباك الله من ملكة التفكير في الأمور والتبصر بأدق تفاصيلها فأنه حتماً سيزول كل فهم خاطئ وكل لبس ، وستجد ما يخلصك من وساوسك وظنونك ؛ وإذا كنت ممن يسعى ليرتقي بوعيه من خلال التفكير الدقيق في كل ظاهرة وتقييمها بحياد ، فاستعمل ذلك العقل الذي هو أسمى ما في الوجود ليوصلك إلى الارتقاء بوعيك وتجد نفسك ممن يتعاون ويخفف من وطأة تلك الظروف البيئية التي يعاني منها رجل المرور.

ولنبدأ بما تعرفه عن عمل رجل المرور ويعرفه غيرك ، فرجل المرور يعمل في الشارع ويقوم بتنظيم السير ، وضبط المخالفات والحد من الحوادث في وقت معين فالجميع يعلم أن رجل المرور متواجد على مدار الساعة في نوبات مختلفة لها آثارها الجسمية والنفسية عليه ، والجميع يعرف أنه يعمل في حر النهار وبرد الليل وفي أمطار الصيف ورياح الخريف ويعاني من تلوث الهواء بالغازات السامة، ويتعرض للحوادث والأخطار المباشرة من صدام سيارات الإعتداءات من قبل الآخرين ، والعقاب على أي تقصير في أداء العمل الخ.. كل هذا يُعرف بالبيئة الطبيعية ، وهذا يحتم علينا معرفة هذه البيئة التي يعمل فيها رجل المرور والتي من خلالها نستطيع معرفة المشكلات والحوادث التي يتعرض لها وكيفية تعامله معها.

ونقصد ببيئة العمل البيئة الطبيعية والفيزيائية والبيئة الاجتماعية. وبيئة العمل في مختلف مناحي الحياة وفي أي عمل من الأعمال التي يقوم بها الإنسان واحدة من حيث النوع أو الصنف وتختلف من حيث الكم ؛ فمثلاً (الحرارة) واحدة من حيث النوع ، ولكنها تختلف في درجتها من عمل إلى آخر ، ومن مكان إلى آخر ؛ أي اختلاف في الكم ، وكذلك البيئة الاجتماعية.

هذه البيئة الطبيعية بمختلف عناصرها من إضاءة – حرارة – برودة – تهوية – تعب وملل – الخ.. هي سبب رئيسي في الكرب النفسية والتي تلعب دوراً هاماً في الأمراض النفسية والجسمية لدى أفراد المرور في المدى القصير على شكل انفعالات ، وفي المدى البعيد على شكل اضطرابات نفسية وجسمية ، وكل فرد من رجال المرور معرض للكرب النفسية بشكل مباشر أو غير مباشر مهما كانت قدرته النفسية على التحمل أو المقاومة لشتى المثيرات البيئية المختلفة ، وسواء كان يعي ذلك أو لا يعي ؛ فرجل المرور يعاني الأمرين ظروف بيئية لا ترحم ومجتمع لا يُسهم حتى بالحد الأدنى من الاحترام لمن يقوم بواجبه الوطني في بيئة ملوثة وضاغطة تجعله يسقط عاجلاً أم آجلاً في شراك الأمراض النفسية والجسمية ، وسنبدأ بالإضاءة وآثارها النفسية والفسولوجية على رجل المرور.

الإضاءة- ومنها درجة الإضاءة: إن 70% من الأعمال التي يقوم بها الفرد تعتمد على حاسة البصر ، وبما إن الإضاءة ليست بدرجة واحدة بل بدرجات متفاوتة عالية ومنخفضة والتي تسبب إرهاق البصر في شدتها وانخفاضها نجد أن رجل المرور يعمل في بيئة درجة الإضاءة فيها متفاوتة بين شديدة مرتفعة وخافته ، وفي تناوب سريع من الانخفاض إلى الارتفاع والعكس. يختلف باختلاف السيارات مما يؤثر على عيني رجل المرور في المدى القصير والشعور بالاهتياج والنرفزة وردة فعل سريعة على  أي سلوك خاطئ من قبل الآخرين ، أما على المدى البعيد فيحدث فقدان البصر كلياً أو جزئياً ، وارتفاع في ضغط الدم وأمراض السكر نتيجة للانفعالات ، وقد تطرقت دراسات مختلفة على آثار درجة الإضاءة على عيني الإنسان ، فقد تشاهد رجل المرور لا يستطيع ضبط أعصابه عندما يقوم أي سائق بالمخالفة ويتعرض لرجل المرور بالسب أو الشتم حينها لا يستطيع ضبط انفعالاته بسبب الإضاءة الرديئة على العينين التي تسبب الاهتياج والتوتر وردة فعل سريعة ، ويزيد من حدتها جهل السائق بمعاناة رجل المرور أثناء أداء واجبه في خدمة الوطن ، وعدم تقدير السائق للموقف برمته بدءاً من المخالفة وانتهاءً بالسب أو الشتم والتحيز المسبق القائم على استنتاجات مسبقة غير موضوعية إزاء رجل المرور ؛ مما يؤثر على العلاقة بينهما ، والسائق الذي لا يعطي لنفسه الفرصة في تقدير حجم المشقة التي يعاني منها رجل المرور نتيجة لعناصر البيئة المحيطة التي تجعله في ضغط نفسي وجسدي يعمل على زيادة معاناة رجل المرور من خلال تبرير خطأه وإسقاطه على رجل المرور فيقول هو يكرهني ، وبهذه الحيلة الدفاعية سيعطي لنفسه الحق في الاعتداء على رجل المرور ضمنياً أو فعلياً أو استخدام الفاض نابية تعمل على إخراج تلك الضغوطات البيئية على شكل ردة فعل متسرعة غير واعية ، والأجدى بالسائقين معرفة ذلك والتخفيف من حدة الموقف لتفهم كافة الظروف التي يعاني منها رجل المرور ، وإطلاق المشاعر الإنسانية كالاعتذار عن الخطأ وإشعاره بأنه موضع تقدير واحترام من قبل الجميع ، ويكون بهذا السلوك قد خفف من انفعالات رجل المرور التي نشأت بسبب البيئة الطبيعية ومعروف أن الفرد يسعى نحو التقدير من الآخرين ، هذا التقدير يخفف من حدة الآلام والمعاناة والتعب ويشجع على التعامل في المواقف المختلفة بالاحترام والتقدير للآخرين ، وكلما زاد التقدير والاحترام لرجل المرور زاد حرصه على ذلك الاحترام باحترام وتقدير مماثل....

الحلقة الثانية :

الكرب النفسية في عمل رجل المرور

 

كان درجة الإضاءة موضوع الحلقة السابقة(الأولى) وسنوضح في هذه الحلقة أثر لون الإضاءة وتوزيعها ، والضوضاء في نشوء الكرب النفسية لدى رجال المرور.

لا يخفى على أحد أن جميع المؤسسات والمنظمات والشركات وأينما يوجد العمل يتم تكييف بيئة العمل بما يتناسب مع العامل لرفع الروح المعنوية وزيادة إنتاجه وسلامته نفسياً وجسمياً ، إلا أنه من الصعب تكييف بيئة رجل المرور من قبل جهة واحدة فقط ممثلة في إدارة المرور ، وإنما يتطلب ذلك تضافر الجهود من مختلف المنظمات والمؤسسات الحكومية والمدنية لتكييف بيئة رجل المرور الضاغطة ، وصولاً إلى جودة الإنتاج وسلامة العامل ، ونشير إلى الإضاءة وتوزيعها ولون الإضاءة والضوضاء , وأثارها النفسية والجسمية على أفراد المرور، يعد توزيع الإضاءة ولونها متغيران مهمان يؤثران على أداء العمل ، بسبب تأثيرهما على نفسية العامل من الناحية النفسية والفسيولوجية.

ويتضح أن توزيع الإضاءة في عمل رجل المرور رديئة فهي أما مباشرة تسقط على العين مما تسبب تقلص في عضلات العين أو انبساطها أثناء الانتقال إلى دائرة الضوء المنخفض والخافت ، والذي يحدث بصورة مستمرة حسب طبيعة العمل في الميدان ، كما إن انعكاس الضوء من على السطوح اللامعة للسيارات والمصابيح المتوهجة يؤثر بشكل كبير على انقباض عضلات العين وانبساطها مما يسبب إجهاد للعين من الناحية البيلوجيه ، وتعب عضلات العين فضلاً عن أثرها النفسي الذي يسبب التوتر والانفعالات المختلفة ، كالانزعاج والضيق ، وقد تتسبب في أحداث مباشرة أذكر منها على سبيل المثال: في أحد الليالي لم يشعر رجل المرور وهو في وسط الجولة إلا بسيارة مسرعة متجهة نحوه! فهرب منها إلى الاتجاه الآخر فتوقفت السيارة وقد أوشكت أن تدهسه دون أن يستطيع أن يميز بين السيارتين نتيجة للأضواء السالفة الذكر.

أما لون الإضاءة لها تأثيرات نفسية كبيرة فالدراسات تشير إلى أن اللون الأحمر يرفع ضغط الدم ، واللون الأزرق يسبب الملل ، واللون الأصفر يسبب الاضطرابات المعدية والنزعة إلى التقيؤ والشعور بالدوار..الخ ، ولها الدور الفاعل في نشوء الكرب النفسية التي تزداد طردياً بزيادة مدة العمل.

وأما الضوضاء: تنقسم إلى ضوضاء متصلة ، و متقطعة .

والمتقطعة تنقسم بدورها إلى متقطعة منتظمة ، و متقطعة غير منتظمة ، وبدورها تسبب في حدها الأدنى مشاعر الضيف والانزعاج فتقلل التركيز على وتشتيت الانتباه وخاصةً الضوضاء المتقطعة الغير منتظمة والتي تعد أسوأ أنواع  الضوضاء تأثيراً على الناحية البيلوجية والنفسية وهي متوفرة في بيئة رجل المرور بنسبة تزيد عن 90% عن غيرها من الضوضاء ، وهذه تسبب الفزع وعدم الاستقرار وتشتيت الانتباه واختلال العمليات العقلية العلياء كالتفكير والتركيز ، والتي تجعل العامل في حالة تحفز واستنفار وتوتر وضيق يظهر في صورة سلوك غير مرغوب إذا ما استفز من قبل سائق مخالف أو مستهتر ، وتشير الدراسات الحديثة إلى أن الضجيج له تأثيرات آنية وتأثيرات تراكمية تؤدي إلى تضييف في الأوعية المحيطة وتزيد في توتر القلب وارتفاع الضغط الدموي ، وأن التأثيرات التراكمية هي الأكثر أهمية في نشوء الكرب الحاد أو المزمن التي تسبب الكثير من أمراض القلب. 

 

الحلقة الثالثة:                                                                           

أثر الحرارة والتهوية في نشوء الكرب النفسية

قبل الحديث عنهما أوضح مفهوم (الكرب) الذي أثار عدة تساؤلات الكرب النفسية (الشدة النفسية) بمعنى الضغوط النفسية التي تقع للإنسان نتيجة لحوادث معينه وهو ما يحدث من انفعال نفسي للفرد عندما يتعرض لمواقف تهدد صحته النفسية والبدنية في موقف واحد أو جملة من المواقف تتضافر فيها مجموعة من العناصر البيئية فتؤدي إلى الانفعال ونشوء الكرب التي تبقى أثارها لمدة زمنية قد تطول وقد تقصر حسب قدرات الفرد على التحمل ومثال على ذلك عندما يقف جندي المرور لينضم حركة السير في إحدى تقاطعات الشوارع مدينة الحديدة في منتصف الظهر من أيام الصيف والشمس توجه أشعتها إلى وجهه والعرق يتصبب من جسده ، يتضح منها أن الموقف لا يحتمل ويشكل شده نفسيه فسلجية على جسم الفرد ولكن هذا الموقف رغم قسوته لا يؤدي إلى الانفعال بحد ذاته إلا بوجود مثيرات أخرى كان يقف سائق وسط الطريق ويعرقل حركة السير ، فيقدم له رجل المرور مخالفة على ذلك الوقوف ، ويأمره بالتحرك وينصحه بربط حزام الأمان وعدم استخدام الهاتف أثناء القيادة لما فيه سلامته وسلامة الآخرين ، ولا يجد أي تجاوب من ذلك السائق الذي يعيق حركة السير ولا يهتم بما يقوله رجل المرور ، فيحدث هنا الانفعال النفسي الذي تراكم بفعل الحرارة أولا ثم من صراعه بين أداء واجبه من جهة ، وبين عجزه عن ضبط سائق مستهتر من جهة أخرى ، وبين ضغط السيارات التي تراكمت في الموقف وتوجيه اللوم له من قبل السائقين الآخرين من جهة ثالثه من كل عناصر الموقف يظهر الكرب النفسي الذي يشنأ بفعل الحرارة المحرقة بالأساس ثم من مجمل عناصر الموقف بشكل عام ناهيك عن ما تسببه الحرارة من أمراض فسلجية مختلفة منها التهاب الجلد والصداع وارتفاع الضغط ... الخ.

أما التهوية فهي من العوامل المؤثرة في نشوء الكرب أيضا كما تؤثر على أداء العمل نتيجة لتؤثر جسم الفرد من الناحية الصحية البدنية والنفسية ومن أهم أعراضها الخمول والضجر والتعب والضيق وما يسببه نقص الأكسجين وزيادة ثاني أكسيد الكربون من أمراض مختلفة كالربو وضيق التنفس مما يزيد من حدة الانفعالات النفسية وتعد التهوية من اشد العوامل المؤثرة على رجل المرور جسمياً ونفسياً إذ تعدو بيئة رجل المرور ملوثه بثاني أكسيد الكربون بنسبة عالية ؛ أضف إلى ذلك كل ما يحدث في موقف عمل رجل المرور من مؤثرات ضاغطة من سائقين مخالفين ومستهترين وحوادث وازدحام وتغيرات مناخية كالأمطار والرياح والعواصف أثراُ كبيراً على رجل المرور صحياُ ونفسياً وعلى عمله من جهة أخرى حيث أن طبيعة عمل رجل المرور تحتم عليه العمل في أثناء الأمطار والعواصف ، ويحتم عليه البقاء لأداء واجبه في ضبط حركة السير وتوجيه السائقين إلى الطرقات الخالية من تدفق السيول وهذه العوامل  تجعل رجل المرور يعاني بكل ما تعنيه الكلمة من ظروف بيئته المهنية والاجتماعية وما ينشأ عنها من أمراض آنية ومستقبلية تشكل مصدراً رئيساً من مصادر الكرب النفسية....

 

الحلقة القادمة ... البيئة الاجتماعية وأثرها على عمل رجل المرور

 

 

جميع الحقوق محفوظة لوزارة الداخلية- الجمهورية اليمنية 2006 (c)