الكرب النفسية في عمل رجل المرور
كان درجة الإضاءة موضوع الحلقة السابقة(الأولى) وسنوضح في هذه الحلقة أثر لون الإضاءة وتوزيعها ، والضوضاء في نشوء الكرب النفسية لدى رجال المرور.
لا يخفى على أحد أن جميع المؤسسات والمنظمات والشركات وأينما يوجد العمل يتم تكييف بيئة العمل بما يتناسب مع العامل لرفع الروح المعنوية وزيادة إنتاجه وسلامته نفسياً وجسمياً ، إلا أنه من الصعب تكييف بيئة رجل المرور من قبل جهة واحدة فقط ممثلة في إدارة المرور ، وإنما يتطلب ذلك تضافر الجهود من مختلف المنظمات والمؤسسات الحكومية والمدنية لتكييف بيئة رجل المرور الضاغطة ، وصولاً إلى جودة الإنتاج وسلامة العامل ، ونشير إلى الإضاءة وتوزيعها ولون الإضاءة والضوضاء , وأثارها النفسية والجسمية على أفراد المرور، يعد توزيع الإضاءة ولونها متغيران مهمان يؤثران على أداء العمل ، بسبب تأثيرهما على نفسية العامل من الناحية النفسية والفسيولوجية.
ويتضح أن توزيع الإضاءة في عمل رجل المرور رديئة فهي أما مباشرة تسقط على العين مما تسبب تقلص في عضلات العين أو انبساطها أثناء الانتقال إلى دائرة الضوء المنخفض والخافت ، والذي يحدث بصورة مستمرة حسب طبيعة العمل في الميدان ، كما إن انعكاس الضوء من على السطوح اللامعة للسيارات والمصابيح المتوهجة يؤثر بشكل كبير على انقباض عضلات العين وانبساطها مما يسبب إجهاد للعين من الناحية البيلوجيه ، وتعب عضلات العين فضلاً عن أثرها النفسي الذي يسبب التوتر والانفعالات المختلفة ، كالانزعاج والضيق ، وقد تتسبب في أحداث مباشرة أذكر منها على سبيل المثال: في أحد الليالي لم يشعر رجل المرور وهو في وسط الجولة إلا بسيارة مسرعة متجهة نحوه! فهرب منها إلى الاتجاه الآخر فتوقفت السيارة وقد أوشكت أن تدهسه دون أن يستطيع أن يميز بين السيارتين نتيجة للأضواء السالفة الذكر.
أما لون الإضاءة لها تأثيرات نفسية كبيرة فالدراسات تشير إلى أن اللون الأحمر يرفع ضغط الدم ، واللون الأزرق يسبب الملل ، واللون الأصفر يسبب الاضطرابات المعدية والنزعة إلى التقيؤ والشعور بالدوار..الخ ، ولها الدور الفاعل في نشوء الكرب النفسية التي تزداد طردياً بزيادة مدة العمل.
وأما الضوضاء: تنقسم إلى ضوضاء متصلة ، و متقطعة .
والمتقطعة تنقسم بدورها إلى متقطعة منتظمة ، و متقطعة غير منتظمة ، وبدورها تسبب في حدها الأدنى مشاعر الضيف والانزعاج فتقلل التركيز على وتشتيت الانتباه وخاصةً الضوضاء المتقطعة الغير منتظمة والتي تعد أسوأ أنواع الضوضاء تأثيراً على الناحية البيلوجية والنفسية وهي متوفرة في بيئة رجل المرور بنسبة تزيد عن 90% عن غيرها من الضوضاء ، وهذه تسبب الفزع وعدم الاستقرار وتشتيت الانتباه واختلال العمليات العقلية العلياء كالتفكير والتركيز ، والتي تجعل العامل في حالة تحفز واستنفار وتوتر وضيق يظهر في صورة سلوك غير مرغوب إذا ما استفز من قبل سائق مخالف أو مستهتر ، وتشير الدراسات الحديثة إلى أن الضجيج له تأثيرات آنية وتأثيرات تراكمية تؤدي إلى تضييف في الأوعية المحيطة وتزيد في توتر القلب وارتفاع الضغط الدموي ، وأن التأثيرات التراكمية هي الأكثر أهمية في نشوء الكرب الحاد أو المزمن التي تسبب الكثير من أمراض القلب.
الحلقة الثالثة:
أثر الحرارة والتهوية في نشوء الكرب النفسية
قبل الحديث عنهما أوضح مفهوم (الكرب) الذي أثار عدة تساؤلات الكرب النفسية (الشدة النفسية) بمعنى الضغوط النفسية التي تقع للإنسان نتيجة لحوادث معينه وهو ما يحدث من انفعال نفسي للفرد عندما يتعرض لمواقف تهدد صحته النفسية والبدنية في موقف واحد أو جملة من المواقف تتضافر فيها مجموعة من العناصر البيئية فتؤدي إلى الانفعال ونشوء الكرب التي تبقى أثارها لمدة زمنية قد تطول وقد تقصر حسب قدرات الفرد على التحمل ومثال على ذلك عندما يقف جندي المرور لينضم حركة السير في إحدى تقاطعات الشوارع مدينة الحديدة في منتصف الظهر من أيام الصيف والشمس توجه أشعتها إلى وجهه والعرق يتصبب من جسده ، يتضح منها أن الموقف لا يحتمل ويشكل شده نفسيه فسلجية على جسم الفرد ولكن هذا الموقف رغم قسوته لا يؤدي إلى الانفعال بحد ذاته إلا بوجود مثيرات أخرى كان يقف سائق وسط الطريق ويعرقل حركة السير ، فيقدم له رجل المرور مخالفة على ذلك الوقوف ، ويأمره بالتحرك وينصحه بربط حزام الأمان وعدم استخدام الهاتف أثناء القيادة لما فيه سلامته وسلامة الآخرين ، ولا يجد أي تجاوب من ذلك السائق الذي يعيق حركة السير ولا يهتم بما يقوله رجل المرور ، فيحدث هنا الانفعال النفسي الذي تراكم بفعل الحرارة أولا ثم من صراعه بين أداء واجبه من جهة ، وبين عجزه عن ضبط سائق مستهتر من جهة أخرى ، وبين ضغط السيارات التي تراكمت في الموقف وتوجيه اللوم له من قبل السائقين الآخرين من جهة ثالثه من كل عناصر الموقف يظهر الكرب النفسي الذي يشنأ بفعل الحرارة المحرقة بالأساس ثم من مجمل عناصر الموقف بشكل عام ناهيك عن ما تسببه الحرارة من أمراض فسلجية مختلفة منها التهاب الجلد والصداع وارتفاع الضغط ... الخ.
أما التهوية فهي من العوامل المؤثرة في نشوء الكرب أيضا كما تؤثر على أداء العمل نتيجة لتؤثر جسم الفرد من الناحية الصحية البدنية والنفسية ومن أهم أعراضها الخمول والضجر والتعب والضيق وما يسببه نقص الأكسجين وزيادة ثاني أكسيد الكربون من أمراض مختلفة كالربو وضيق التنفس مما يزيد من حدة الانفعالات النفسية وتعد التهوية من اشد العوامل المؤثرة على رجل المرور جسمياً ونفسياً إذ تعدو بيئة رجل المرور ملوثه بثاني أكسيد الكربون بنسبة عالية ؛ أضف إلى ذلك كل ما يحدث في موقف عمل رجل المرور من مؤثرات ضاغطة من سائقين مخالفين ومستهترين وحوادث وازدحام وتغيرات مناخية كالأمطار والرياح والعواصف أثراُ كبيراً على رجل المرور صحياُ ونفسياً وعلى عمله من جهة أخرى حيث أن طبيعة عمل رجل المرور تحتم عليه العمل في أثناء الأمطار والعواصف ، ويحتم عليه البقاء لأداء واجبه في ضبط حركة السير وتوجيه السائقين إلى الطرقات الخالية من تدفق السيول وهذه العوامل تجعل رجل المرور يعاني بكل ما تعنيه الكلمة من ظروف بيئته المهنية والاجتماعية وما ينشأ عنها من أمراض آنية ومستقبلية تشكل مصدراً رئيساً من مصادر الكرب النفسية....
الحلقة القادمة ... البيئة الاجتماعية وأثرها على عمل رجل المرور